الإنسان أصله قرد - مدونة أحمد همام الإنسان أصله قرد | مدونة أحمد همام

الإنسان أصله قرد


لا علاقة لعنوان المقال بنظرية التطور لـ "داروين" والتي أشار فيها  إلى أن الإنسان بالأصل عبارة عن قرد طبقًا لنظرية التطور التي تنص على أن جميع الكائنات الحية نشأت تدريجيًا من خلية واحدة، وكان للمصادفة وتوافر بعض العوامل الفيزيائة سببًا في تكاثر تلك الخلايا لتتولد عنها سلسلة من المخلوقات من نباتات وحيوانات وبشر.
ورغم اختلافي مع "داروين" في أن أصل الإنسان نشأ نتيجة لتطور خلايا القردة، إلا أنني اتفق معه في الناحية العلمية التَعَلُمِيِة والتعليمية في أن الإنسان والقرد لهما أصل واحد وبداية واحدة تنطلق من الجهل المطلق المعتمد على تلبية الاحتياجات الأساسية لكليهما عن طريق الغريزة فقط عند بدء الخليقة، وأشير هنا إلى حالة التطور العلمي والتعلمي التي مر بها الإنسان منذ بدء الخليقة حتى الآن، تلك الحالة العلمية التعلمية التي نقلته من الصفة الحيوانية (القرد) إلى رحاب الإنسانية.
فالإنسان والقرد عاشا ردحًا من الزمن على الفطرة والغريزة، منذ البدايات الأولى للخليقة، حين كان الإنسان الأول لا يعرف سوى تلبية احتياجاته الأساسية وبطرق أقل ما يمكن وصفها به بأنها طرق عشوائية وبدائية، ولا تختلف كثيرًا عن تلبية احتياجات القردة في ذلك الزمان، أساسها "الغريزة" (الطعام – حفظ النوع – البقاء).
 وبدأت أولى خطوات مسيرته نحو الإنسانية عند أول درس تعلمه الإنسان رغم قساوة الموقف والمنظر، فكان أول درس تعلمه من "الغراب" -بعد أن قتل قابيل هابيل (قانون الغاب)-  كيف يواري سوءه أخيه. من هنا بدأ مسار الإنسان يختلف عن مسار القردة، بالقدرة على التعلم واكتساب المهارات المختلفة فكانت بداية عجلة التطور نحو الإنسانية، فاستدعت الحاجة إلى توافر الطعام إلى ابتكار طرق متنوعه للصيد، ثم اكتشاف النار التي كانت نقطة تحول رئيسة في حياة الإنسان للإنتقال والترقى إلى مرحلة أخرى من مراحل التطور، ومع التجمعات الأولى للإنسان كالأسرة الممتدة والعشيرة والقبيلة وانتشار بني الإنسان في مختلف بقاع الأرض كانت الحاجة إلى توفير الغذاء بصورة أكبر حاجة ماسة فانتشرت وتطورت طرائق زراعة المحاصيل، وبُنيت القلاع لتوفير الحماية والأمن، وبدأ الإنسان ينتقل للعيش من القرى إلى المدن، حتى ظهور الثورة الصناعية في القرن الثامن عشر، وبداية عصر جديد للإنسان من نشاط الرعي والزراعة والتجارة وقليل من الصناعات البدائية، إلى التطور الصناعي والآلات الميكانيكية، التي نقلت الإنسان إلى بداية عصر النهضة واكتشاف البترول والصناعات الحديثة.
كل هذا التطور ما كان ليتحقق دون استغلال الهبة الربانية بالقدرة على التعلم واكتساب المهارات ونقل هذه المهارات والخبرات إلى الآخرين عبر العصور المختلفة، الأمر الذي ضمن استمرارها وتطورها المطرد.
والمتتبع للتطور البشري عبر التاريخ؛ يجد أن كل نهضة أو تطور يسبقها تطور علمي وقدرة على التعلم والتعليم، وهو ما شهدناه عند الفراعنة قديمًا، والحضارة اليونانية والإسلامية وأخيرًا عصر النهضة في التاريخ الأوروبي الحديث.
إن الإنسان الذي كان يعيش حياته الأولى ويلبي احتياجاته الأساسية والتي لا تختلف كثيرًا عن احتياجات حياة القرد، أصبح بالعلم والتعلم قادرًا على الابتكار والريادة، وطوع الكثير من الاكتشافات والاختراعات لخدمة الإنسانية فوصل الحال على ما نحن عليه، من تطور في جميع المجالات الاقتصادية والعلمية والصحية والرعاية الاجتماعية....الخ، بل وأصبح قادرًا على غزو الفضاء. فأصبح هناك فارقًا واضحًا بين الإنسان والقرد. (بالقدرة على العلم والتعلم).
ولا أقصد بالتعلم هنا الحالة التي يمتلك فيها الأفراد الشهادات العلمية، ولا أقصد بالجهل الشخص الذي لم ينل حظًا من التعليم (الأمي)، ولكني أشير إلى تلك الحالة التي يرفض فيها الإنسان (الأمي أو المتعلم) التعلم واكتساب المهارات اللازمة التي تضمن له احترام حقوق الغير دون تمييز في اللون أو العرق أو القبيلة أو الديانة، والحياة في سلام مع الآخرين على أساس العدل والمساواة في الحقوق، وتساعده على الإندماج في المجتمع بما يحقق الرفاهية والأمن لجميع أفراد ذلك المجتمع،  دون الاحتكام إلى منطق القوة في السيطرة على الآخرين وتطبيق "قانون الغاب" بما يهدد سلامة وأمن الآخرين.
والحقيقة إن حياة الإنسان والقردة مرتبطة على نحو غريب، فارتباط حياة الإنسان بالقرد موجود منذ الأزل، فكان للقرد نصيب كبير في الموروث الشعبي للشعوب، وقصص تتناولها الأجيال بين السخرية تارة والحكمة تارة أخرى، ولكن الشيء الملموس أنه كلما تنمر الإنسان وتكبر وتجبر جاءه عقاب الله سبحانه وتعالى بسحب الهبة الربانية، بالقدرة على التعلم فيكون العقاب بالعودة إلى حياة القردة الأولى، وكما جاء في عقاب قومًا من بني إسرائيل بالمسخ، قال تعالى: "ولقد علمتم الذين اعتدوا منكم في السبت فقلنا لهم كونوا قردة خاسئين" سورة البقرة أية 65. فكان العقاب بالانتقال من الإنسانية إلى الدونية (حياة القردة). فحياة الإنسان تعلو مراتب على حياة القردة، وكلما زاد علم الإنسان ابتعد عن حياة القرد والتي تمثل الحد الأدنى من الحياة مقارنة بالإنسان.
لقد حبانا الله سبحانه وتعالى بالعقل، والقدرة على التعلم والتمييز، فارتقينا عن عالم القردة إلى رحاب الإنسانية، فالتعلم والتعليم يعملان على  زيادة الوعي في المجتمع، وتعديل سلوك الأفراد ليكونوا أفرادًا صالحين في المجتمع، يتصرفون وفق معايير ومهارات مكتسبة تبدأ منذ بدايات الطفولة ولا تنتهي إلا بنهاية حياة الإنسان.
 لهذا نجد أن أول كلمة نزلت في القرآن الكريم هي "إقرأ" لما للتعلم واكتساب العلم والمهارات من أهمية كبرى في حياة الإنسان، ولما لها من أثر واضح في تغيير سلوك الأفراد بما يحقق لهم مستوى حياة أفضل.  ولإحداث نقلة نوعية للبشرية من حياة الهمجية وقانون الغاب إلى حياة العقلانية والإنسانية بكل ما تحمله هذه الكلمة من معان.
ولكن على الرغم من ذلك، ما زال هناك حتى في عصرنا هذا، من يرفض حياة الإنسانية، ويقدس حياة القردة، مازال هناك من يقدس الجهل ويدعو للتخلف، ما زال هناك من يعيش حياة القرون الوسطى، ويرغب في أن يشيع حالة الفوضى، وينشر الإرهاب والخراب والدمار، يرفض أن يعيش إنسانًا عاقلًا متعلمًا متميزًا فاختار عن عمد تغييب عقله، وامتنع عن التعلم، وابتعد عن التعليم فأنطفأ نور الهداية فغابت الهبة الربانية وانتقل إلى حياة القردة  التي تعتمد على منطق القوة وقانون الغاب، لا مكان للعقل والحوار، بل لا مكان لنور العلم الذي انتقل بفضله الإنسان من حياة القردة إلى حياة الإنسانية والتطور.
 عندما يغيب العقل وتصبح القدرة على التمييز شيئا من الخيال، ويغيب نور العلم وينتشر ظلام الجهل، حينها فقط اتفق مع "داروين" في أن أصل الإنسان قرد، ليس الإنسان الناتج لتطور الخلية، ولكن الإنسان الذي غاب عنه العقل والتمييز عن عمد، وامتنع عن التعلم فعاش في ظلام الجهل وابتعد عن نور العلم والتعلم فهبط من مرتبة الإنسانية إلى حياة القردة.
إن أسلوب حياتنا هو من يحدد هوياتنا وأصولنا، فكلما تمسكنا بما حبانا الله به من قدرة العقل والتمييز ومارسنا حقنا في التعلم والتعليم واختيار الأنسب لنا وللآخرين كلما صرنا إلى الإنسانية أقرب، وكلما أهملنا هذه القدرة وذلك التمييز صرنا إلى عيشة القرده أقرب، فهي حياتنا أختر فيها ما تشاء أما أن تكون إنسانًا، أو قردًا.
 جميع حقوق الطبع والنسخ والنشر محفوظة للكاتب

TAG

عن الكاتب :

ليست هناك تعليقات

إرسال تعليق

الاسم

بريد إلكتروني *

رسالة *