expr:class='"loading" + data:blog.mobileClass'>

دول بلا هوية




 لا اقصد هنا الهوية الثقافية والوطنية لدولة ما، ولكن ما سأتناوله هنا هو الهوية الاقتصادية للدولة، فقديمًا  كانت هوية الدول الاقتصادية تعرف بالنشاط الغالب على أفرادها، فمثلًا في شبه الجزيرة العربية كانت تشتهر برعي الأبل والتجارة، ومنها رحلتي الشتاء والصيف. وعلى شاطئ الخليج العربي انتشر صيد الأسماك واللؤلؤ، كذلك عُرفت مصر منذ القدم بالزراعة، ومدينة البندقية قديمًا بالتجارة خاصة البحرية منها. وإن كان الأمر لا يخلو من وجود بعض الصناعات الخفيفة لكنها لم تكن السمة الغالبة للنشاط الاقتصادي، فلكل دولة أو مدينة نشاط اقتصادي يحدد هويتها. ومع التطور ظهرت في القرون الوسطى الاقطاعيات الزراعية، ثم الثورة الصناعية في القرن التاسع عشر التي غيرت وجه الحياة على ظهر الأرض، فتحول النشاط الاقتصادي من رعوي زراعي تجاري إلى نشاط صناعي بالمقام الأول، وظهرت المنافسة بين كثير من الدول للتسابق بوضع قدم لها على خارطة الحياة الاقتصادية الجديدة خاصة بعد اكتشاف النفط الذي أضاف ايضًا هوية اقتصادية جديدة للدول هي الدول النفطية. ولم يتوقف الأمر عند هذا الحد بل ظهرت هوية جديدة للدول هي الدول المعلوماتية التي أصبحت تمتلك تكنولوجيا المعلومات والأنظمة الهندسية الحديثة وأضحت منتجًا أساسيًا لها، وهكذا تستمر عجلة الاقتصاد في تطور مستمر، والدول المتقدمة هي تلك الدول التي وازنت في نشاطها وأهتمت بكل الأنشطة الاقتصادية السابقة، فنجدها تهتم بتربية الماشية بنظم حديثة (الرعي)، والزراعة والصناعة والتجارة وإنتاج النفط وتنقيب المعادن والتقدم التكنولوجي. فاستحقت هويتها عن جدارة ... هي الدول المتقدمة.
وهناك للأسف الشديد دولًا كانت تشتهر بالزراعة والرعي وقليل من التجارة، لم يحدث بها أي تطور بل أهملت أساس حياتها وتميزها، نتيجة صراعات سياسية وحروب عسكرية، فهناك دول تمتلك من المقومات الزراعية بل قل من الثروات الزراعية من أنهار ومياه أمطار وأراض خصبة وأيدي عاملة، فهي دولة زراعية في المقام الأول، ولكنها أهملت مشاريعها وبورت أراضيها وتراجع انتاجها من المحاصيل الزراعية وتنازلت عن مستقبلها الواعد بأن تكون سلة غذاء العالم، ولم تعد في مصاف الدول الزراعية وأضحت تستجدي طعامها من المساعدات الدولية ولم تعد تملك ما يكفي حتى لغذائها، وضاعت هويتها الزراعية.

واتجهت من بعد ذلك إلى قليل من الصناعات التجميعية بحثًا عن هوية، ولم تضع أساسًا للصناعات الثقيلة التي هي أساس التطور الاقتصادي؛ فأصبح لديها صناعات كمالية مشوهة غير متكاملة، ولا تؤسس لتطور صناعي حقيقي ففقدت هويتها الصناعية.

فكان لا بد من التعويض وتدارك هذه الخسائر بالعودة والاعتماد على تصدير القليل من الثروة الحيوانية، فعُدنا إلى بداية المقال (عذرًا... إلى بداية الزمان) حينما كان الإنسان يعتمد على الرعي كمصدر للرزق، وبما أن الرعي لم يعد وحده يجدي نفعًا في اقتصاديات الدول الحديثة، وبعد الفشل الذريع على مستوى الأنشطة الزراعية والصناعية والتجارية، وتدهور الاقتصاد وشارفت الحياة الاقتصادية على الإفلاس، كان الاتجاه لامتهان العسكرية كنشاط يعوض تدهور كل الأنشطة الاقتصادية.

وفي وقت تتسابق فيه الدول لأن تصبح دولًا فضائية، تستوطن الكواكب الأخرى وتبحث عن التنقيب عن المعادن وإمكانية العيش والحياة والزراعة في كواكب مجموعتنا الشمسية مثل كوكب المريخ، نجد دولًا أخرى مازالت تبحث عن هوية.

وحيث أن الهوية هي مجمل السمات التي تميز شيئا عن غيره أو شخصا عن غيره أو مجموعة عن غيرها. وبعد استعراض كل ما سبق؛ يمكن القول أصبح لدينا... دولًا بلا هوية.


 جميع حقوق الطبع والنشر والنسخ محفوظة للكاتب

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق