expr:class='"loading" + data:blog.mobileClass'>

وطن بالمراسلة

حان وقت الإجازة السنوية التي طالما ننتظرها عام بعد عام، شهر ننتظره بكل شوق وحنين للعودة إلى أرض الوطن الحبيب، عودة إلى الأهل والأحبة والأصدقاء، وبسمة تعلو وجه كل مسافر لوطنه، وفرحة تغمر القلوب بالسعادة، وكالطيور المهاجرة كان موعد لقائنا في المطار، فالتقيت بصديق طال بنا الزمن منذ آخر لقاء وفي صالة المغادرة وبعد إنهاء إجراءات السفر وفي انتظار موعد إقلاع الطائرة، تجاذبنا أطراف الحديث، فسألته عن مجال عمله، فأخبرني أنه ممثل لإحدى الجامعات التي توفر سبل الدراسة عن بعد (بالمراسلة)، وأبى إلا أن يمارس موهبته في الإقناع بفوائد الدراسة وطرائق التدريس المتعددة فيها، وضرب لي مثلاً أنه يمكن الدراسة واستلام المواد التعليمية، وعند نهاية العام الدراسي يتم الامتحان إما في مقر الجامعة الرئيسي، أو في مراكز الجامعة المنتشرة في معظم الدول العربية، وأن الدراسة لها فوائد عدة و.. و.... 
فشعرت بصوته يخفت وتخبو حدته شيئا فشيئا.. وصوت داخلي يعلو، يا إلهي ! مال هذا الصديق فتح جرحا وأيقظ آلاما افترشت آلاف الأميال سرُرُ لها، والتحفت بسنين الغربة ونامت حتى تناسينا وجودها، إنه وجه آخر للغربة، "وطن بالمراسلة"، أهذا حالنا اليوم؟ هل صار وطننا وطناً بالمراسلة؟ وكيف لا ونحن نمضي السنوات الطوال بعيداً عن وطننا ولا يتسنى لنا زيارته إلا وقت "الامتحان" .. عذراً وقت الإجازة!  ودخلت في مقارنه عجيبة دراسة بالمراسلة، ووطن بالمراسلة، عام كامل من الدراسة يُقَيَّمُ بامتحان، وعام كامل من الجد والعمل يكافأ بإجازة، مراكز امتحان منتشرة في جميع الدول، وكذلك سفاراتنا وقنصلياتنا منتشرة في جميع الدول نستفيد بما تقدمه من خدمات لنا، شهر للامتحان، وشهر للإجازة.
نعم للأسف أصبح لنا وطن بالمراسلة، شهر كل عام لزيارة الأهل والأصدقاء، بل منا من يغض الطرف عن العودة على استحياء، لظروف قد تكون لها جوانب اقتصادية فيرى في قراره نفسه أن العودة ترف لا يقدر عليه إلا الأغنياء، ومنا من اعتبر نفسه مهاجراً بلا عودة واتخذ دار الغربة وطناً له وبنى جدرانا في الهواء، ومنا من عاش عشرين عاماً بل ثلاثين عاما متواصلة بلا عودة نسى أهله والأصدقاء، ومنا من حمل جنسية دولة أخرى، وهجران الوطن بلا رجعة كان القرار.
وبدون الخوض في الأسباب التي تدفع البعض منا إلى هجران الوطن والاغتراب إلا أنني وجدت نفسي أمام حقيقية تبدو كالخيال، نعم صار لنا وطن بالمراسلة، نأتيه شهراً كل عام، حقيقية أقولها على استحياء!
ولم أشعر إلا بصوت صديقي يعلو شيئا فشيئا، ينبهني بأن وقت الرحيل قد حان، فهذا أخر نداء للصعود إلى الطائرة، فاستفقت واستجمعت قواي وصعدت إلى الطائرة، وبين ألم الحقيقية وأمل العودة أبى قلمي إلا أن يسطر هذه الكلمات لتكون شاهداً للعيان، أصبحنا نملك وطنٌ بالمراسلة .. حقيقة لا خيال؟



ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق