أبواب العلم ومفاتيح قارون - مدونة أحمد همام أبواب العلم ومفاتيح قارون | مدونة أحمد همام -->

أبواب العلم ومفاتيح قارون


وجدته مهمومًا فسألته عن سبب ذلك، فحكى لي تجربة عاشها، حين تقدم للالتحاق بإحدى الدورات  المجانية المعلن عنها دون وجود شروط مسبقة للتسجيل، فسجل اسمه ورقم هاتفه وانتظر تحديد موعد إقامة الدورة، وانتظر تلقى الاتصال بفارق الصبر، حتى تلقى اتصالًا من المنسق المنظم للدورة يسأله بعض الأسئلة ثم تلقى اعتذار مختصرًا وأُغلق الخط...
قال لي كنت في أمس الحاجة لهذه الدورة، وليس لدي المال للتسجيل لدراستها، حاولت التخفيف عنه ووعدته بالبحث عن مراكز أو مواقع على الشبكة العنكبوتية تقدم هذه الدورات وبالمجان.....
  ولكن ما أثار حفيظتي أننا كمجتمعات عربية، ننشد التطور والوصول إلى مصاف الدول المتقدمة، ولكن في الوقت ذاته لا نأخذ بأسباب العلم التي تمهد الطريق لأي تطور علمي وحضاري، بل الأدهى من ذلك كله صار العلم سلعة تباع وتشترى، وصار العلم حكرًا على فئات بعينها قادرة ومقتدرة ماديًا على تحمل نفقات التعليم، خاصة الجامعي منه، والأغرب من ذلك كله، كلما فتح باب للعلم أغلقناه بمفاتيح أشبه بمفاتيح قارون التي تنوء بحملها أولو العصبة من الرجال، فهذا غير مؤهل، وتلك جامعة غير معترف بها، وهذا تعليم الكتروني منتقص،  وتلك شهادة لا تصلح حتى أن تعلق على جدار متهالك، حتى نظرة المجتمع لمن يحمل هذه الشهادات، أصبحت سلبية في كثير من الأحيان، فهدمنا الكل دون تمييز بين الزبد الذي يذهب جفاء، وبين ما ينفع الناس.
حقيقة لا بد من وجود ضوابط تضمن جودة التعليم في المؤسسات التعليمية، خاصة التعليم العالي منها، لذلك تتبنى كثير من الدول سياسات تضمن جودة التعليم في تلك المؤسسات، وهذا مطلوب.
إن وضع العقبات أمام التعليم، وزيادة نفقاته، واصدار أحكام سلبية مسبقة نحو من يرغبون بالالتحاق أو يتخرجون من جامعات بعينها، ووضع العقبات نحو تقنين التعليم الجامعي الإلكتروني، نجد أنفسنا أمام واقع فرض نفسه... مئات الآلاف من الشباب في طريقهم إلى المجهول، بل قل بناة المستقبل في طريقهم إلى المجهول.
وأثناء بحثي في الشبكة العنكبوتية، تعجبت من قلة أو ندرة المواقع العربية التي تقدم دورات مجانية، ووجدت موقع (Alison)، من ضمن عشرات المواقع الأجنبية التي تقدم دورات مجانية في شتى أنواع العلوم، متاح للجميع على اختلاف ألوانهم وأجناسهم بل ودياناتهم أيضًا، والأهم من ذلك كله، لا توجد شروط للتأهيل للدورات، فقط شرط واحد إذا كانت لديك رغبة في العلم والتعلم، فدللته عليه، وكنت أول المستفيدين منه، ولا أخفيكم القول فقد ظننت أنني إن حصلت على بعض كلمات استفيد منها خير من لا شيء، فهذا حال طالب العلم، لأن الدراسة عبر الإنترنت للأسف الشديد غير معترف بشهادتها في كثير من الدول، ولكن كانت المفاجأة حين سجلت في إحدى الدورات، وجدت منهجاً وعلماً حقيقياً، علماً لا يباع بثمن بخس دراهم معدودة، إنما علماً حقيقياً يؤسس طالب العلم تأسيساً منهجياً وفق أصول البحث العلمي الحديثة، فاستمسكت به ايما تمسك، ورغم صعوبات الترجمة التي واجهتها في البداية، لأن الدراسة باللغة الإنجليزية، لكن إن هي إلا أيام قلائل حتى تغلبت على هذه الصعوبات، وتذكرت حينها كيف كان علماء العرب والمسلمين الأوائل يترجمون النصوص من الاغريقية واليونانية، كلمة بكلمة، وحرف بحرف، ويتجاوزون كل العقبات التي كانت تواجههم، كل ذلك لأجل طلب العلم فقط.
لذلك فإن أحد أهم أسباب تطور الغرب هو إيمانهم بالعلم، واتاحه مصادره أمام من يريد التعلم، فالعلم أولى خطوات المجتمعات نحو التطور، ولا أنكر ان الدراسة مكلفة جدا في تلك الدول، ولكن من جانب آخر، لم يغلقوا أبواب العلم أمام طالبيه، فالعلم عندهم مدينة ملكوا مفاتيحها، وعندنا مدينة نُحاسب حتى من يفكر في الدخول إليها.
إن قيمة العلم لهي أثمن من كنوز قارون، وأكبر من أن تحتوى في خزائن وإن كانت مفاتيحها كمفاتيح قارون، لذا علينا الاهتمام بتيسير العلم واتاحه مصادره أمام طالبيه، واتاحة فرص الدورات المتخصصة مجانًا، ولنبني مدنًا تؤمن بالعلم وتذخر بالعلماء، نملك مفاتيحها، وتفتح أبوابها لكل من يطرق بابًا من أبوابها.
إن نهضة الأمم لا يمكن أن تتم عبر صفوة من أفرادها فقط، وإنما هي إرادة مجتمعية، تتاح فيها مصادر التعلم وفرص التعليم للجميع، يسود فيها العلم ويكثر فيها العلماء، ويُنبذ فيها الجهل، وتغلق أبوابه وتعلو راية العلم والتطور.
ولنتذكر عندما نقوم باستعارة كتاب من إحدى المكتبات فإننا لا نطالبها بمنحنا شهادة تفيد قراءتنا لهذا الكتاب أو ذاك، فالغرض هنا هو توفير مصادر التعلم لمن يسعى لذلك، ولا ننسى بأن أول ما نزل من القرآن الكريم قوله تعالى: "اقرأ" فالقراءة وطلب العلم فرض على كل مسلم.
فإذا كنا ننشد التطور والتقدم،  فلماذا نوصد أبواب العلم بمفاتيح  كمفاتيح قارون؟!

جميع حقوق الطبع والنسخ والنشر محفوظة للكاتب.

TAG

عن الكاتب :

ليست هناك تعليقات

إرسال تعليق

الاسم

بريد إلكتروني *

رسالة *