expr:class='"loading" + data:blog.mobileClass'>

جمهورية غرب السودان


  هذا المقال ليس تحليلًا للأحداث الجارية في السودان حاليًا من احتجاجات ومظاهرات، ولا يصف أو يصنف ما يدور من ثورة ضد النظام، إنما هو قراءة أو نظرة استشرافية إلى المستقبل على ضوء الأحداث الجارية في مختلف مدن السودان.
وسوف أتناول هذا التحليل في ضوء محاولة استعراض عدد من النقاط التي لها تأثير مباشر في مستقبل السودان على المدى القريب.

الأوضاع الاقتصادية:
بدأت الاحتجاجات الشعبية كرد فعل لتردي الأوضاع الاقتصادية في السودان، وسط أزمات تتصاعد واحدة تلو الأخرى، حيث لا يوجد مبرر يفسر هذا التردي بهذه الصورة وتلك الدرجة، في بلد يمتلك الكثير من الموارد والثروات الطبيعية،  بل وصل الأمر بالبعض إلى الاعتقاد بأن تردي الأوضاع نتيجة قرارات وسياسات ممنهجة من النظام لتدمير اقتصاد البلاد. الأمر الذي كان له نتائج مباشرة تمثلت في هجرة الكفاءات، وروؤس الأموال والمستثمرين السودانيين إلى دول الجوار، ورغم تزايد المؤشرات على ضيق المواطن السوداني من الأوضاع الاقتصادية  إلا أنه لم يتم إتخاذ أي تدابير تعمل على حل الضائقة الاقتصادية، بل تم اتخاذ اجراءات تهدف إلى زيادتها وكأنما هو حلم لدى البعض بوصول أوضاع الاحتجاجات إلى ما هي عليه الآن لحاجة في نفس يعقوب قضاها.

الأوضاع الأمنية:
كما أن تردي الأوضاع الأمنية وضعف سيطرة الدولة على مختلف ولايات السودان، وعدم توفر أجهزة مؤسسية نظامية شرطية قائمة تخدم السودان كدولة وليس كنظام، هذا الوضع ساهم في سهولة تفجر الاحتجاجات بالولايات البعيدة عن العاصمة بالدرجة الأولى، حيث يقل تواجد الدولة المؤسسي، وهو مؤشر خطير يدفع في اتجاه فقدان الدولة لهذه الأقاليم، ومنها دارفور، كما أن انسحاب قوات حفظ السلام الدولية "يوناميد" من 11 موقعًا بدارفور، وتسليمها للحكومة السودانية مؤخرًا بموجب اتفاقات موقعة بهذا الشأن، وإنسحاب قوات الدعم السريع من دارفور وقدومها للخرطوم في الأسبوعين الماضيين لا بد أن تكون له قراءاته في ضوء الأحداث الجارية.

الأوضاع السياسية:
إن تدمير البنية التحتية السياسية للأحزاب السياسية السودانية العريقة، من خلال بث الخلافات بين قادتها مما أدى إلى احداث انشقاقات وانقسامات داخل الأحزاب السياسية، كان من نتيجتها فقدان جزء كبير من الأرضية الشعبية لتلك الأحزاب وبالتالي فعاليتها، وفقدت بوصلتها في قيادة آمال وطموح الشعب، وأصبحت لا تعبر إلا عن طموحات قادتها. والمعضلة الآن في غياب قيادة بديلة ذات رؤية رشيدة يؤمن بها الشعب لتقود السودان إلى بر الأمان.

الفوضى الخلاقة:
إن ثورات الربيع العربي، وإن بدأت سلمية، إلا أن هناك الكثير من التدخلات من أصحاب الأجندات الخاصة ودول ذات اطماع خارجية استطاعت تطويع هذه الثورات في خلق حالة من الفوضى كان من نتيجتها ضعف مؤسسات الدولة وانهيارها، بل تطور الوضع إلى صراع مسلح بين جماعات مختلفة داخل الدولة الواحدة حتى انفرط عقدها، وليس هذا الوضع ببيعد عن السودان، ولا يخفى على أحد الدعم الذي تتلقاه الجماعات المسلحة المختلفة في السودان وإمدادها بالمال والسلاح، ومنها الجماعات المسلحة بدارفور.
إن تصريحات بعض المسؤولين السودانيين بشأن وجود عناصر مندسة تلقت تدريبها في دول أجنبية سماها، يجب النظر إليها بمحمل الجد، وهذا ليس دفاعا عن النظام، بل مثل هذه التصريحات تؤدي إلى تغييب العقل المدرك لدى عامة الشعب، واستفراز مشاعره الوطنية، والدفع في اتجاه زيادة الثورة واشتعال الاحتجاجات وخلق حالة من الفوضى الخلاقة، لإيجاد قائمة من الإعذار في حالة انفصال دارفور.
قد يقول البعض إن الشعب السوداني قد قام فيما سبق بعدد من الثورات ضد أنظمة حكم فاسدة، ولم يحدث ما ترمي إليه من حالة الفوضى، قد يكون هذا صحيحًا، ولكن ما تغير هو الأحوال الجيوسياسية المحيطة، دولية كانت أو محلية، وليس النقص أو العيب في الثورة بحد ذاتها، ولكن هناك لاعبين خلف الستار، لهم أهداف محددة يرمون إلى تحقيقها من خلال إحداث الفوضى، وليس ما يحدث في دول الجوار ببعيد، خاصة دول ثورات الربيع العربي.
إن تجربة انفصال جنوب السودان لا يمكن أن تتكرر بنفس السيناريو في دارفور، وهو ما تجنبه النظام على استيحاء احيانًا، ومجبرًا عليه احيانًا أخرى من خلال توقيع اتفاقيات السلام مع الجماعات المتمردة في دارفور، وإنما السيناريو المقترح لتحقيق انفصال دارفور هو الفوضى الخلاقة من خلال الدفع بتأجيج أسباب الاحتجاجات والثورة ضد نظام متهالك، والوصول إلى حالة فوضى يختلط فيها الحابل بالنابل، يعقبها إحداث حراك عسكري وسياسي، تتحقق من خلاله أهدافًا كانت بعيدة المدى ومستحيلة المنال، لكنها بطبيعة الحال لا تصب في مصلحة الوطن الواحد... السودان.
وكم أتمنى أن تكون رؤيتي ضبابية وخاطئة، وأدعو الله أن يحفظ السودان وطنًا موحدًا، ولكن تحليل كل هذه النقاط إذا ما صح فإن إعلان جمهورية مستقلة غرب السودان هو قاب قوسين أو أدنى.

 جميع حقوق الطبع والنسخ والنشر محفوظة للكاتب

اقرأ المزيد